المقايضة الكبرى": اقتراح تصفير ديون مصر عبر رهن الأصول

في السبت ١٧ - يناير - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً

عادت قضية الديون في مصر إلى صدارة المشهد بعد تشكيل مجلس النواب الجديد، مع شكوك في استمرار الحكومة الحالية فوق مقاعدها، وذلك عقب تصريحات أطلقها وزير المالية أحمد كوجك تعهد فيها بإطلاق الحكومة استراتيجية جديدة، لإدارة الدين خلال الشهر الجاري، بعد تأجيل دام قرابة العام.

واكبت تصريحات كوجك، تسريبات أخرى من وزيرة التخطيط رانيا المشاط، حول سردية حكومية شاملة لحل أزمة الديون، بالتوازي مع مقترح جرى ترويجه بوسائل الإعلام المدارة من مؤسسات سيادية، لرجل الأعمال حسن هيكل، بات يعرف بـ"المقايضة الكبرى"، التي ترتكز على "تصفير الديون العامة" عبر مقايضة الدين العام بأصول الدولة، ونقل عبء الأزمة المالية، من الموازنة العامة إلى البنك المركزي ليصبح الضامن في سداد قيمة كافة مستحقات الدائنين في المستقبل، والتي فاقت 161 مليار دولار، و8.1 تريليونات جنيه وفقاً لتقديرات رسمية.

في تصريحات متكررة لرئيس الوزراء مصطفى مدبولي أكد أن الدولة "تعمل على خفض كبير في حجم الدين" دون الإفصاح عن الكيفية والأدوات، أتبعه وزير المالية بتصريح حول اقتراب موعد الإعلان عن "استراتيجية وطنية لحل أزمة الدين العام، تستهدف الخفض الهيكلي للدين على المدى الطويل وتنويع مصادر التمويل والتحول من الاقتراض التجاري مرتفع التكلفة إلى التمويل الميسر بما يتسق مع مستهدفات صندوق النقد الدولي"، إلى أن جاء مقترح "المقايضة الكبرى" الذي عرضه "هيكل" على شاشات التلفزيون المحلي، وكرره خلال أيام، بشكل لافت أمام الحضور بالمنتدى الاقتصادي في جامعة القاهرة، الاثنين الماضي.

يرى هيكل أن مسار "المقايضة الكبرى" يسمح بتصفير جزء من الدين العام دون تحميل الموازنة أعباء مباشرة، داعياً إلى نقل أصول سيادية في مقدمتها أصول هيئة قناة السويس والهيئات والشركات العامة التي تحقق عوائد جيدة، إلى البنك المركزي، مقابل توريق الدين العام أو استخدام هذه الأصول كضمانات لخفضه بإعادة هيكلة الدين أو الحصول على تمويل بشروط أفضل.

أثار غياب خطة حكومية واضحة بلبلة لدى الساسة وخبراء الاقتصاد، الذين يرون في تعدد المقترحات التي تروج لها الحكومة ومن بينها مبادلة الديون بالتنازل عن أصول عامة للدائنين، أن سببه "غياب خطة معلنة واضحة المعالم، حتى اللحظة، حيث لم تنشر الحكومة استراتيجيتها في إدارة الدين المرتقبة، ولم تعرض مسار خفض الدين على البرلمان المنتهية مدته أو الذي جرى تشكيله الاثنين الماضي، أو الرأي العام، بينما تترك الساحة للتكهنات وتسريبات المسؤولين والمبادرات الفردية، بما أوجد فراغاً سمح بعودة "المقايضة الكبرى" إلى الواجهة، بعد ثلاث سنوات من وأدها عقب اعتراض عموم المصريين على توريق أصول هيئة قناة السويس، رغم خطورتها وتسببها بحالة من الارتباك في الأسواق.يرى الخبير الاقتصادي وائل النحاس أن "التوريق لا يعالج أصل المشكلة، أي غياب القدرة المستدامة على توليد إيرادات إنتاجية حقيقية، مؤكداً لـ"العربي الجديد" أن أي إخلال بالتزامات السداد، قد ينعكس مباشرة على استقرار العملة ويؤثر على الثقة في الجهاز المصرفي.

يبدي النحاس اتفاقه مع معظم الخبراء على أن الجدل حول الخطة الحكومية المؤجلة منذ أشهر لحل أزمة الدين العام، ورؤية توريق الدين التي يثيرها الخبير الاقتصادي حسن هيكل تتغافل عن القضية الأساسية، وهي أن الدين العام في مصر يتزايد نتيجة مسار اقتصادي طويل لا يمكن حله باستخدام أداة واحدة، إذ لم ينفجر فجأة بل نتيجة تراكم عبر توسع استثماري كثيف ممول بالاقتراض، وعوائد أقل من المتوقع، وسط صدمات خارجية ومحلية، واعتماد متزايد على ديون قصيرة ومتوسطة الأجل في ظل فوائد وتضخم مرتفعين، مؤكداً أن "أي حديث عن إدارة الدين دون إصلاح جذري في نموذج النمو الذي تتبعه الحكومة بعيداً عن رفع معدلات التصنيع والتصدير وجذب الاستثمارات الخاصة، هو حديث عن إدارة العجز لا الخروج منه.

في تقرير خاص أصدره المركز المصري للدراسات الاقتصادية، حذر من خطورة مقترح "المقايضة الكبرى"، واعتبره غامضاً وعالي المخاطر، وغير ملائم للحالة المصرية، مؤكداً في بيانه الذي أرسله لـ"العربي الجديد" أن المقايضة الكبرى مقترح يفتقر إلى الشفافية في التقييم، وينطوي على مخاطر جسيمة، تهدد استقلالية البنك المركزي، وقد يؤدي إلى تحميل السياسة النقدية أعباء مالية لا تخصها، ويخلق سابقة خطيرة في رهن أو تسييل أصول سيادية لسداد الديون الحكومية.

وأكد بيان المركز الموقع من مديرته التنفيذية الخبيرة الاقتصادية عبلة عبد اللطيف، أن تجارب دول أخرى لجأت إلى حلول مشابهة لـ"المقايضة الكبرى" انتهت إما بأزمات نقدية أو بتآكل أصول الدولة دون حل جذري لمشكلة الدين".

قابل محافظ البنك المركزي الأسبق وأستاذ الاقتصاد محمود أبو العينين "المقايضة الكبرى" بعنف، مؤكداً في كلمته أمام المنتدى الاقتصادي بجامعة القاهرة، أن "أي مقترح يحمل البنك المركزي أعباء مالية مباشرة أو غير مباشرة، يعد مساساً بدوره الأساسي، ويهدد الاستقرار النقدي" مشيراً إلى رفضه الزج بالبنك المركزي في تمويل العجز بالموازنة العامة، باعتباره خط دفاع أخيراً وليس مخزناً للديون، وفي حالة مخالفة دول أخرى لهذا المبدأ تعرضت عملتها للانهيار.

وعلى منواله سارت أستاذة الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جنات السمالوطي، بتحذيرها من أن تستخدم "المقايضة الكبرى" كغطاء سياسي لتمرير سياسات بيع أصول دون نقاش مجتمعي كاف، في أزمة سيولة خانقة، مع رفضها الحلول الحكومية التي تبيع الأصول لسداد فوائد الدين وتحمل الأجيال القادمة كلفة أزمة الدين الذي يعاني من أزمة توزيع ونمو وليس لصعوبات مالية فقط، معتبرة "توريق الدين لا يعالج جوهر الأزمة بل يعيد إنتاجها على حساب الأجيال القادمة".وشددت عميدة كلية الاقتصاد السابقة عالية المهدي في حوارها بالمؤتمر، على أن "بيع الأصول العامة أو رهنها لسداد الديون هو حل قصير الأجل، يفقد الدولة مصادر دخل مستدامة ولا يعالج الخلل الهيكلي في الاقتصاد، مؤكدة أن تحميل البنك المركزي بأعباء الدين العام يمثل تهديداً لاستقلال السياسات النقدية ويحول الأزمة المالية إلى مخاطرة سيادية ونقدية". رفض الخبراء المشاركون في المؤتمر، الذي حضره جمعٌ واسع من الخبراء وأجهزة الإعلام، في ظل تضييق أمني شديد على الأنشطة العامة بالجامعات، خلط السياسات النقدية بالمالية، وتحميل البنك أعباء الدين، والتأكيد أن أزمة الديون المستمرة والمتصاعدة سنوياً تعكس مشكلة هيكلية إنتاجية لا أزمة سيولة.

في تصريحات صحافية اعتبر الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة "توريق الدين العام باستخدام أصول سيادية استراتيجية مثل قناة السويس، يعني رهن مستقبل الإيرادات العامة لصالح حل قصير الأجل، ويخلق مخاطر سيادية ونقدية جسيمة، محذراً من تحويل أزمة الدين من أزمة مالية إلى أزمة نقدية محتملة.

كانت الحكومة قد وعدت بالإفصاح عن استراتيجيتها في إدارة الدين العام، مؤكدة أنها ستعلن في مطلع العام الجاري، ثم تأجلت دون تفسير، بما اعتبره خبراء مؤشراً على ارتباك عميق داخل دوائر صنع القرار، التي تتحسس تفويض رئيس مجلس الوزراء الحالي، بتشكيل الحكومة، وفقاً لنصوص دستورية تقضي بتكليف حزب الأغلبية في البرلمان الجديد 2026-2030 بتشكيل الحكومة، بينما تتصاعد المطالب الشعبية والحزبية برحيلها، بعد تحميلها مسؤولية زيادة الديون التي أنفقت على مشروعات غير اقتصادية، تلتهم فوائدها نحو 80% من إيرادات الموازنة العامة وفقاً لتقديرات رسمية.

يشير اقتصاديون إلى أن الحكومة لا تملك هامش المناورة الذي يمكن أن يمكنها من مواجهة العجز المزمن في الموازنة وسداد الالتزامات المالية المرتفعة بينما الاقتصاد المصري الذي يسير في خطة غير واضحة المعالم أو جدول زمني ضعيف القدرة على توليد العملة الصعبة وفرص العمل أمام المواطنين.

يجمع الخبراء ومراكز بحثية على ضرورة سرعة مواجهة الأزمة المالية، باستخدام حلول غير تقليدية عوضاً عن التي تتبعها الحكومة منذ سنوات بنظام تدبير ديون لدفع مستحقات جديدة، والمعروفة شعبياً بـ"تلبيس الطواقي" مع رفض كافة الأطراف إدارة أخطر ملف اقتصادي بالبلاد وفق سياسات غامضة ووعود مرسلة، مشيرين إلى أن أزمة الديون في مصر ليست مجرد أرقام في دفاتر مالية، بل قضية سياسية تمس مستقبل الدولة، ولا تحتمل المقامرة، أو القفز فوق النقاش العام، بما يستلزم، وفق رأي الخبراء، إجراءات شفافة لخفض الدين وإنهاء حالة البلبلة، التي تدفع لمخاطر اقتصادية واجتماعية وسياسية يصعب احتواؤها لاحقاً.