استهداف الأكاديميين في مصر: سجن وتنكيل إداري ومهني

في الجمعة ١٦ - يناير - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً

يتزايد القلق في أوساط مصر الأكاديمية، مع وقائع استهداف مستجدّة لأساتذة جامعيين وباحثين، على خلفية مواقفهم السياسية أو ارتباطهم العائلي بمعارضين. ومن بين أحدث هذه الوقائع، قضية الدكتورة شيرين شوقي أحمد معوض، التي أثار القبض عليها فجر 16 ديسمبر/ كانون الأول الفائت انتقادات حقوقية واسعة، بعد أيام من نشرها استغاثة تطالب فيها بحقوق زوجها المعتقل السياسي عبد الشافي عبد الحي البنا في السجون المصرية. وقد اقتيدت شوقي، الأكاديمية المتخصّصة في التربية الرياضية، التي سبق لها أن درّست في جامعتَي قناة السويس وبنها، إلى جهة غير معلومة قبل عرضها على نيابة أمن الدولة العليا في الـ18 من الشهر نفسه، وتوجيه اتهامات لها بالانضمام إلى جماعة وتمويلها.

تفيد بيانات منظمة "هيومن رايتس إيجيبت" بأنّ شوقي احتُجزت في سجن العاشر من رمضان وتعرّضت لمعاملة قاسية شملت إيداعها زنزانة تأديب من دون فراش ولا غطاء، الأمر الذي اضطرها إلى افتراش أرضية الزنزانة. تضيف أنّ حالة شوقي الصحية، الجسدية كما النفسية، تدهورت بشدّة في خلال أيام الاحتجاز، وقد ظهرت بعد 12 يوماً وهي تعرج مع إجهاد بالغ، قبل أن تُعاد مجدداً إلى زنزانة التأديب، علماً أنّها كانت المحتجزة السياسية الوحيدة بين محتجزات جنائيات. وتزداد خطورة وضع شوقي نظراً إلى معاناتها من انزلاقات غضروفية حادة في الظهر والرقبة، بالإضافة إلى فقر دم مزمن وحاد، الأمر الذي يستلزم تدخلاً طبياً عاجلاً.

من جهته، نقل مركز الشهاب لحقوق الإنسان استغاثة الأسرة، مبيّناً أنّ شوقي حاصلة على شهادة دكتوراه في التربية الرياضية من جامعة الزقازيق، وأنّه لم تُسجَّل عليها أيّ أنشطة مخالفة للقانون، محمّلاً سلطات مصر مسؤولية سلامتها ومطالباً بالإفراج عنها وعن زوجها.

وتأتي قضية عبد الشافي عبد الحي البنا لتكشف بدورها عن نمط متكرّر من الاحتجاز المطوّل، إذ يقبع في السجن منذ التاسع من مارس/ آذار 2020، وقد نُقّل بين تسع قضايا متتالية في ما يُعرَف بسياسة التدوير. يُذكر أنّ زوج شيرين شوقي الحاصل على شهادة ليسانس في الآداب من جامعة عين شمس وشهادات دبلوم تربوية وشهادة ليسانس في الحقوق من جامعة الزقازيق، يعاني من ورم في الغدّة الدرقية ظهر في خلال فترة سجنه، من دون أن يتلقّى رعاية طبية مناسبة، وفقاً لأسرته.

ولا تقتصر استهدافات الأكاديميين في مصر على السجن، بل تشمل التنكيل الإداري كما المهني. وخلال السنوات الأخيرة، لم يعد الحرم الجامعي في مصر فضاءً آمناً للنقاش أو البحث، بل صار، في حالات عديدة، يمثّل امتداداً لمناخ عام يتّسم بالتضييق والمساءلة الأمنية، كما في حالة الأكاديمية منار الطنطاوي، الأستاذة المحاضرة في المعهد التكنولوجي العالي في العاشر من رمضان - فرع السادس من أكتوبر.

والطنطاوي هي زوجة الصحافي هشام جعفر الذي أُفرج عنه بعد ثلاث سنوات ونصف سنة من الحبس الاحتياطي، وهي حصلت على درجة الأستاذية بعد فحص إنتاجها العلمي في ديسمبر/ كانون الأول 2019 ليصدر قرار عن المجلس الأعلى للجامعات باعتمادها في فبراير/شباط 2020. على الرغم من ذلك، رفض عميد المعهد اعتماد اللقب العلمي الذي تحمله وما يترتّب عليه من حقوق، وامتنع عن إعادتها إلى رئاسة القسم الذي كانت قد اعتذرت عنه مؤقتاً لأسباب صحية. وتفيد أسرة الطنطاوي بأنّ عميد المعهد برّر موقفه بأنّه "لن يتحمّل مسؤولية تعيين زوجة معتقل سياسي سابق"، الأمر الذي دفعها إلى اللجوء إلى القضاء، وقد صدرت ثلاثة أحكام قضائية تؤيّد حقّها.

وفي سابقة هي الأولى من نوعها في المجال الأكاديمي في مصر، حُوّلت الطنطاوي، أستاذة الهندسة الميكانيكية التي تخصصت مبكراً في الذكاء الصناعي، بعد 28 عاماً من العطاء، من "أستاذة" إلى موظفة إدارية وأُجبرت على ملازمة المعهد لمدّة ثماني ساعات بلا عمل، فقط لأنّها تمسّكت بحقها القانوني وطالبت بتنفيذ ثلاثة أحكام قضائية نهائية تقضي بتعيينها الوزاري في درجتها الأكاديمية المستحقة.

ويؤكد زوجها أنّها تتعرّض لـ"انتقام إداري" ممنهج؛ فبدلاً من الانصياع لأحكام القضاء المصري، قرّرت إدارة المعهد محاربتها في رسالتها. يضيف جعفر: "لم يكتفوا بسلبها جدولها الدراسي ومنعها من دخول قاعات المحاضرات، بل امتدّ التعسف إلى محاولة عزلها عن طلابها بنقل محاضراتها إلى قاعات في طبقات عليا، وهم يعلمون يقيناً أنّ حالتها الصحية في ذلك الوقت تمنعها من ذلك، في محاولة بائسة لتغييبها قسراً وتهميش تاريخها".

وفي جامعة حلوان، واجه أستاذ الجيولوجيا الراحل يحيى القزاز مساراً طويلاً من الملاحقات. والقزاز، الذي كان أكاديمياً متفرّغاً وناشطاً معروفاً في مصر من خلال عضويته السابقة في حركة "كفاية" وحركة 9 مارس لاستقلال الجامعات، قد أُحيل إلى مجلس تأديب في يوليو/ تموز 2019 بتهمة إهانة رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي والقوات المسلحة، بناءً على مذكرة من عميد كلية العلوم. كذلك أُلقي القبض على الأكاديمي الراحل في قضايا تتعلّق بإهانة الرئيس قبل أن يُفرَج عنه بكفالة، بالإضافة إلى احتجازه في القضية 1305 لسنة 2018 التي شملت شخصيات عامة مثل السفير السابق معصوم مرزوق قبل الإفراج عنه في مايو/ أيار 2018. وكان القزاز من أبرز المعارضين لاتفاقية تيران وصنافير.

إلى جانب ذلك، اعتُقل أستاذان بارزان في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، هما حازم حسني وحسن نافعة، في سبتمبر/ أيلول 2019، وذلك بعد تعبيرهما عن آراء منتقدة لقيادة السيسي وللفساد في البلاد. ووُجّهت إليهما اتهامات، من بينها نشر أخبار كاذبة والانتماء إلى منظمة إرهابية، وقضيا أشهراً عدّة في الحبس الاحتياطي. وفيما أُفرج عن نافعة في مارس/ آذار 2020، بعد نحو ستة أشهر من الاحتجاز، أعيد تدوير حسني في قضايا أخرى على الرغم من تدهور حالته الصحية.
ولا يُستثنى من هذه الإجراءات باحثون وأكاديميون من الشباب، من أمثال أحمد التهامي، الأستاذ المساعد في العلوم السياسية بجامعة الإسكندرية، الذي حُبس احتياطاً لسنوات بتهم مشابهة لتلك التي طاولت الأكاديميين الأكبر سناً. كذلك شمل ذلك طلاباً وباحثين في الخارج، من أمثال باتريك زكي وأحمد سمير سنطاوي ووليد سالم، الذين تعرّضوا للملاحقة ومُنعوا من استكمال دراستهم أو العودة إلى البلاد، الأمر الذي خلق مناخاً من الخوف والترقّب في المجتمع البحثي عموماً، في داخل مصر وخارجها.

ويأتي هذا الواقع ليتناقض بوضوح مع النصوص الدستورية التي تؤكّد استقلالية الجامعات وحرية البحث العلمي. فالمادة 21 من الدستور المصري تنصّ على كفالة استقلال الجامعات وتوفير التعليم الجامعي وفقاً لمعايير الجودة العالمية، وهي تلزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق للتعليم الجامعي. بدورها، تؤكد المادة 23 حرية البحث العلمي وتشجيع مؤسساته، فيما تقرّ المادة 66 بأنّ حرية البحث العلمي مكفولة انسجاماً مع العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

لكنّ الفجوة ما بين النصّ والتطبيق تبدو واسعة، الأمر الذي تعكسه المؤشرات الدولية. وبحسب مؤشر الحرية الأكاديمية لعام 2024 مع تحديثات مطلع 2025، صُنّفت مصر من ضمن فئة "الحرية الأكاديمية المحدودة جداً"، بدرجة 0.082 من أصل 1، محتلّة بذلك المركز 159 من بين 171 دولة. ويعزو التقرير هذا التراجع إلى ضعف الاستقلالية المؤسسية للجامعات، والقيود المفروضة على حرية التعبير في داخل الحرم الجامعي، وتراجع ما يُعرف بـ"سلامة الحرم الجامعي" من التدخلات الأمنية، وهي عوامل تؤثّر مباشرة في قدرة الأكاديميين والطلاب على العمل والبحث من دون خوف.