كيان جديد يبتلع سوق العقارات... "مدن" توسّع النفوذ السيادي في مصر

في الأحد ٣٠ - نوفمبر - ٢٠٢٥ ١٢:٠٠ صباحاً

بدأ جهاز مستقبل مصر التابع للقوات الجوية المصرية التجهيز لإقامة مشروعات عقارية جديدة بالمناطق المحيطة بهضبة أهرامات الجيزة، بعد استحداثه كياناً جديداً باسم "شركة مدن لإدارة الأصول" التي تشمل العقارات والمنتجعات السكنية. تأتي توسعات الجهاز التابع للأجهزة السيادية في مناطق استراتيجية حول المناطق الأثرية والمدن الكبرى، ضمن تغيير كبير في استراتيجيته، وإعادة تأهيل أراضٍ مملوكة للقطاعَين الخاص والجيش، فرضت تعديلات واسعة على مخططات المناطق العمرانية حول العاصمة والمدن الكبرى المحيطة بها بمحافظات الجيزة والقليوبية، بالتوازي مع التعديلات الشاملة التي فرضها جهاز الخدمة الوطنية عبر شركاته النوعية المهيمنة على إدارة الطرق والأراضي المحيطة بها على امتداد الطرق الرئيسية وشبكات النقل النهري والبري والسكك الحديدية المتصلة بالعاصمة وأنحاء المحافظات.

وفقاً لمصادر رفيعة تستهدف "مدن لإدارة الأصول" تكوين شراكات مع مستثمرين مصريين وأجانب لإقامة تجمعات سكنية وتجارية وسياحية على مساحة من الأراضي الفارغة خلف مدينة هضبة أهرامات الجيزة، وعلى مساحة تقدر بنحو 25 مليون متر مربع، والطرق الفرعية المتصلة بها، تكون ظهيراً لمشروعات المتحف المصري الجديد والتجمعات السكنية الفاخرة المملوكة لمجموعة ماونتن فيو وبالم هيلز ونيو جيزة على قبة الحسنة المطلة على طريقَي القاهرة - الفيوم ومصر - إسكندرية الصحراوي. بينما أحدث وضع "مدن لإدارة الأصول" كمائن أمنية على حواف المنطقة العمرانية المستهدفة آثار مخاوف كثير من أصحاب المشروعات، الذين فوجئوا بوضع الشركة يدها على أصول مملوكة للقطاع الخاص سبق تخصيصها من جهاز التعمير التابع لوزارة الاسكان لجمعيات أهلية وشركات خاصة تولت إعادة تقسيم بعض الأراضي وبيعها للجمهور منذ سنوات.

استحواذ سيادي
تأتي توسّعات جهاز مستقبل مصر في ظلّ تعهدات أطلقها رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، حول تعهد الحكومة لصندوق النقد الدولي ببيع أصول تتخطى 50 شركة حكومية وعامة، من بينها شركتا صافي للمياه ووطنية للبترول التابعتان للجيش، للحدّ من تداخل الأجهزة السيادية والحكومية في القطاع وتحسين مناخ المنافسة مع القطاع الخاص باعتباره قاطرة التنمية في الدولة. وكرّر مدبولي تعهداته نهاية الأسبوع الماضي قبيل وصول بعثة صندوق النقد الدولي بأيام لإتمام المراجعة الخامسة والسادسة لبرنامج الاصلاح الهيكلي للاقتصاد، والتي ستشمل مرونة سعر الصرف، ووضع سقف نهائي للقروض السيادية والديون الحكومية وسداد الديون الخارجية.

وقال المصدر المطلع لـ"العربي الجديد" إنّ توجه جهاز مستقبل مصر الذي أصبح إحدى الأذرع الرئيسية للجهات السيادية في السيطرة على استيراد القمح والمنتجات الاستراتيجية والاستثمار في القطاعات الزراعية والانتاجية للدولة، أصبح متجهاً نحو إدارة الأصول العقارية الكبيرة، والتي شهدت ولادة مشروع "جريان" للاستثمار العقاري الذي أقيم بشراكة مع كبريات الشركات العقارية، رغم أنه بدأ بوصفه مشروعاً زراعياً لنقل مياه النيل إلى المناطق الصحراوية غرب العاصمة، لزيادة الرقعة الزراعية وتأمين احتياجات البلاد من المحاصيل والخضروات والفاكهة والحدّ من استيراد المنتجات الغذائية من الخارج.وأكد المصدر أن مشروع "جريان" سيكون أول مشروع عقاري كبير يدار عبر شركة "مدن لإدارة الأصول" التي أسند جهاز مستقبل مصر إليها إدارة التطوير للمشروع بشراكة مباشرة مع شركات بالم هيلز المملوكة للملياردير المصري ياسين منصور وبالم هيلز المتخصّصة في العقار الفاخر ونيشنز أوف ذا سكاي. ستتولى "مدن" متابعة مبيعات الشركتَين الخاصتَين والتسويق للوحدات السكنية والتجارية وصيانة وتشغيل البنية التحتية، والتي تشمل مد قناة مائية من نهر النيل وطرق ومرافق عامة.

وأسند جهاز مستقبل مصر لـ"مدن لإدارة الأصول" مهمة توحيد محفظته من الأصول العقارية تحت كيان واحد، ووضع الخطط المستقبلية لها، بما يضمن التوظيف الأمثل للأراضي المملوكة للجهاز التي استلمها والمخطط ضمها له خلال الأشهر المقبلة، بما يحولها، وفقاً للمصدر، إلى أداة استراتيجية لإدارة مشروعات جهاز مستقبل مصر العقارية الكبرى، وأبرزها "جريان" التي ستقام على مساحة 6.8 ملايين متر مربع وتضم 20 ألف وحدة سكنية فاخرة.

ووصف المصدر التحوّل بأنه خيار استراتيجي جديد لجهاز مستقبل مصر الذي يعاني من تراجع الربحية في المشروعات الزراعية، ونتيجة طبيعية بعد أن أصبح كياناً متخصصاً مستقلاً عن الحكومة، له القدرة على الاستثمار في المشروعات العقارية والاستثمارية بكافة المدن الجديدة والمشروعات السكنية والزراعية المتكاملة، وإبرام عقود المبيعات والتشغيل دون الحاجة إلى رقابة من الأجهزة المدنية بالدولة، مشيراً إلى قدرة "مدن" حالياً على الاستثمار العقاري عالي القيمة والمشاركة في المشروعات السياحية والترفيهية والتحكم الاستراتيجي في الأراضي المحيطة بالمناطق الأثرية الحساسة، ودعم مشروعات جهاز مستقبل مصر الكبرى وإدارة أصول طويلة الأجل.

واعتبر خبير تمويل واستثمار، في تصريحات خاصة لـ"العربي الجديد"، تحول جهاز مستقبل مصر من الاستثمار الزراعي إلى العقاري بأنه رغبة الجهاز في تحويل جزء من رؤوس أمواله إلى أصول مدرة للدخل وتوظيفها في مشروعات أكبر، واستغلال الشراكة مع القطاع الخاص لتسويق المشروعات التي ينفذها بسهولة. وفي إشارة إلى تنامي الأجهزة الأمنية في الاقتصاد، وأوضح أنّ "مدن لإدارة الأصول" تعكس رغبة "مستقبل مصر" في التحول من مجرد شريك في مشروعات زراعية إلى لاعب مركزي يبدل خرائط القوة الاقتصادية في الدولة، مشيراً إلى سيطرته على أكثر الملفات الاقتصادية حساسية والتي تشمل استيراد القمح والزيوت وإدارة السلع الاستراتيجية.

وبحسب وكالة رويترز للأنباء، أبرم جهاز مستقبل مصر صفقات لتأمين حاجة البلاد من القمح عبر مناقصات مباشرة أو مشتريات فورية، أغلبها مع روسيا لتوفير 1.2 مليون طن قمح أواخر ديسمبر 2024، تبعها تعاقد على أكثر من 600 ألف طن من القمح في سبتمبر وأكتوبر، مع إشرافه على شراء نحو 4 ملايين طن من القمح المحلي ووضعه بصوامع الغلال التي أصبحت تحت إدارته المباشرة بدلاً من وزارة التموين والتجارة الداخلية. وتشير الوكالة إلى أن دخول مستقبل مصر إلى سوق الحبوب العالمي تسبب في حالة من القلق لدى الموردين الدوليين في ظل غياب التفاصيل حول مواعيد الشحن وأسعار التعاقد وأسماء الموردين، مقارنة بنهتوسّع مخيف
وفي لقاء مع "العربي الجديد" يبدي رجال الأعمال ورئيس المركز المصري للدراسات الاقتصادية عمر مهنا مخاوفه من تنامي دور الأجهزة السيادية في الاقتصاد، في وقت تحمل فيه الحكومة القطاع الخاص مسؤولية تدبير الاستثمارات للدولة وتوفير الوظائف للمواطنين، مشيراً إلى أنه رغم توفير أكثر من 70% من السيولة الموجودة بالبنوك لتمويل الجهات الحكومية، وما يحول دون قدرة القطاع الخاص على الحصول على هذه النسبة من السيولة ليعيد استثمارها في السوق، بما يدفع معدلات النمو ويحسن الأداء الاقتصادي، فإنّ هناك إصراراً على منح الجهات السيادية والحكومية مميزات تجعل القطاع الخاص غير قادر على المنافسة. ويشير مهنا إلى خطورة توسّع الجهات الحكومية والسيادية في الاقتصاد، بما يجعل عمليات الاستيراد تجري عبر جهة واحدة سواء في المنتجات الزراعية أو الأدوية أو كثير من المستلزمات الصناعية الحيوية، وتحظى بالقدرة على توفير احتياجاتها من النقد الأجنبي فوراً، بينما يقف القطاع الخاص في طوابير البنوك، مشيراً إلى أهمية تعزيز الشفافية وترك ذوي الخبرة في إدارة الاقتصاد لتوظيف خبراتهم وطاقاتهم وشبكات علاقاتهم الدولية بما يخدم الدولة بكفاءة.

وفي سياق متصل أشار تقرير صدر مؤخراً للمركز المصري حول أداء الأسواق المالية وبيئة الأعمال خلال الربع الثاني من العام الجاري، مبيناً نتائج استطلاع ميداني شمل أهم 120 شركة مصرية من مختلف القطاعات الانتاجية والخدمية، إلى تباطؤ في سوق المال وتراجع تدريجيّ في شهية المستثمرين، بفعل خروج تدريجي لاستثمارات الأجانب قصيرة الأجل، بينما زادت تعاملات المصريين في القطاعات الاستراتيجية وأسهم السيولة السريعة. وبيّن التقرير أن سيولة السوق تقلصت نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة وتزايد طلب البنوك على السيولة قصيرة الأجل، بما دفع أسعار الاقراض بين البنوك "إنتربنك" للارتفاع لأعلى مستوياتها منذ عامين، الأمر الذي أثر على الشركات الصغيرة التي تعاني من نقص السيولة وارتفاع أسعار التمويل. وأظهر التقرير معاناة الشركات الخاصة من ارتفاع تكلفة التمويل وصعوبة تدبير مدخلات الانتاج المستوردة، التي تهيمن عليها شركات سيادية وحكومية، وتأخر الحكومة في سداد ديونها للشركات، وانخفاض القوة الشرائية في السوق المحليّة واضطراب سلاسل الإمداد.ج هيئة السلع التموينية التابعة لوزارة التموين التي كانت تعلن أدق التفاصيل في كل مناقصة.