قراءة فلسفية في رواية وفيلم (ولا يزال التحقيق مستمرا)
هي رواية للكاتب إحسان عبد القدوس، عولجت سينمائياً في فيلم حمل الاسم ذاته (ولا يزال التحقيق مستمرا)، ولم يكتب عبد القدوس هنا عن جريمة بقدر ما كتب عن الإنسان قبل الجريمة، وعن البذور النفسية التي تسبق الفعل الإجرامي، وتجعله في لحظة ما حتمياً.
فالقصة في جوهرها ليست عن قتل يرتكب في النهاية، بل عن ذنب غير مرئي، وعن الزواج بوصفه سجناً نفسياً، لا للزوجة وحدها كما قد يُظن، بل للزوج أيضاً.
وهي عن المرأة حين تُختزل قسراً في وظيفتها البيولوجية، فتغدو قيمتها مرهونة بقدرتها على الإنجاب.
وعن العدالة حين تعجز عن النفاذ إلى النفس البشرية، فتقف عند ظاهر الفعل، ولا تبلغ الحقيقة العميقة.
أحياناً لا تكون الجريمة قتل إنسان، بل قتل روح، والقاتل قد يكون المجتمع أو التقاليد أو الإهمال العاطفي، أو نظرة دونية ترسخت حتى صارت قدراً.
ويثور السؤال المحوري : هل كون بطلة الرواية عاقراً هو السبب في كراهيتها لزوجها ..
والإجابة: نعم، ولكن ليس بالمعنى السطحي المباشر، فالعقم في الرواية رمز، لا مجرد حالة طبية.
فالمرأة لم تكره زوجها لأنه ظلمها كما ادعت، أو كما حاولت أن تقنع نفسها، بل لأنها رأت فيه مرآة لفشلها الوجودي.
لم يكن الرجل زوجاً فقط، بل كان شاهداً دائماً على عجزها، ودليل إدانة حي، وتذكيراً صامتاً بنقصها في نظر المجتمع، وفي كل مرة كان ينظر إليها، كانت تسمع في داخلها صوتاً خفياً يقول: (أنتِ ناقصة بلا امتداد بلا أثر)، حتى وإن لم يعايرها الزوج يوماً، وحتى وإن كان صادقاً في حبه لها، أو في ادعائه عدم الرغبة في الإنجاب.
ومن هنا لم تستطع الزوجة أن تُقدر أن زوجها رضي بها رغم عقمها، لأنها رأت قبوله بها من موقع الشفقة لا من موقع الحب.
ومع أنه أحبها بصدق، فإنها لم تكن قادرة نفسياً على رؤية هذا الحب إلا بوصفه شفقة مقنعة، مهما حاول أن يثبت العكس.
الزوج لم يكن قاسياً، ولم يهِنها لفظياً، ولم يُقدم على تطليقها، لكنه كان بارداً، متفوقاً أخلاقياً في نظرها، وأسمى منها نفسياً.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية، بل تتعاظم المصيبة، فهذا هو أخطر أنواع القهر .. القهر غير المرئي.
شعرت الزوجة أن الزوج لم يخترها حقاً، بل تحملها بما فيها من سوآت، ولسان سليط، ومشاعر باردة، وإحساس متبلد.
ورأت في صبره عليها دليلاً إضافياً على تفوقه الأخلاقي، لا على حبه.
وإدراكها أو ما ظنته إدراكاً لقدرة زوجها على الاحتمال، ولّد في داخلها إحساساً خانقاً بالدونية، فتحول تحمله لها إلى مصدر حقد بغيض، أعمق أثراً من الرفض الصريح.
فالرفض يجرح مرة، أما الشفقة فتقتل ببطء.
والحقيقة أنها لم تكره زوجها في جوهر الأمر، لأن الكره هنا ليس كرهاً لشخص، بل هو كره للذات.
لقد كرهت ضعفها، وجسدها، ونقمت على قدرها، وذلك هو السر الدفين في أعماقها، السر الذي لم تكن تملك الشجاعة النفسية للاعتراف به حتى أمام نفسها.
ولأنها عجزت عن كره ذاتها أو محاسبتها، قررت ومن دون وعي .. تحويل الزوج إلى كبش فداء نفسي، تعلق عليه خطاياها، وتُسقط عليه عجزها وأوجاعها.
وعندما جاءت لحظة الجريمة، لم تبحث عن الحقيقة، بل عن خلاص داخلي، وعن انتقام رمزي من حياة شعرت أنها بخلت عليها بكل شيء.
لم يكن الفعل بحثاً عن عدالة، بل محاولة يائسة لاستعادة كرامة مهدورة.
فلسفة الرواية صامتة، لا تُلقى في خطب مباشرة.
فالشر هنا ليس قراراً مفاجئاً، بل تراكم بطيء، والجريمة ليست لحظة طيش، بل نتيجة سنوات من القهر الصامت الذي ملأ قلبها ظلمة وسواداً.
والعدالة القانونية لا ترى الإنسان، لأنها تبحث عن الفعل، لا عن أسبابه الخفية.
أما (إحسان عبد القدوس)، فكان يبحث عن هذا السبب النفسي العميق، فالمرأة في الرواية ضحية نظام اجتماعي لا ضحية رجل بعينه.
الرواية لا تدين الزوج، بقدر ما تدين مجتمعاً جعل قيمة المرأة محصورة في (رحمها)، وربط إنسانيتها بوظيفتها البيولوجية.
ومن هنا حُمل الزوج ذنباً لم يرتكبه، ولازمت الغيرة الوجودية نفس الزوجة، وهي غيرة لا من امرأة أخرى، بل من خصوبة الحياة ذاتها.
وبدا واضحاً أن العزلة داخل الزواج أخطر وأقسى من الوحدة خارجه.
ولم يكن الانتقام في الرواية إلا رمزاً، فالزوجة لم ترد الخلاص من زوجها بقدر ما أرادت تحطيم صورته، وتدمير المعنى الذي يمثله في وعيها.
إنها ليست قصة امرأة شريرة، بل قصة إنسانة خُنقت ببطء، حتى صارت الجريمة هواءها الوحيد.
وعلى الله قصد السبيل.
شادي طلعت
#شادي_طلعت
#المرأة_العاقر_جريمة_لم_ترتكب_وذنب_صنعه_المجتمع
#قراءة_فلسفية_في_رواية_وفيلم_ولا_يزال_التحقيق_مستمرا