"صك البراءة" الليلي: حين استبدل الرواة "الإخلاص" بتمائم الوهم!

عادل بن احمد في الأربعاء ٢١ - يناير - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً

يبدو أن "السادة" الذين نقلوا لنا دين الروايات عبر "العنعنة" لم يكتفوا بتشويه المفاهيم، بل ورطونا في كوارث لغوية وعقائدية جعلت من الإيمان مجرد "لعبة إلكترونية" تُختم بضغط زر قبل النوم. ففي الوقت الذي يطلب فيه الله منا "الإيمان" الخالص، اخترع لنا الكهنوت مصطلح "التوحيد" الكارثي، ثم ألحقوه بأحاديث سحرية توزع صكوك البراءة من الشرك لمن يغمغم بكلمات وهو ناعس!

قبل أن ننسف حديث "الخاتمة السحرية"، دعونا ننسف الصنم اللغوي الذي يعبدونه من دون الله: "التوحيد". هذه اللفظة بحد ذاتها كفر لغوي مبطن! فـ "وحد الشيء" تعني جمع أجزاء متفرقة وضمها لتصبح شيئاً واحداً، تماماً كما فعل النصارى حين "وحدوا" الأقانيم الثلاثة (الأب والابن والروح القدس) في إله واحد. وحين يصرخ العامة في الموالد "وحدووووه"، فهم يطلبون -من حيث لا يدرون- تركيب إله من أجزاء! الله في القرآن (أَحَد)، فرد صمد، وليس "مُركباً" يحتاج لتوحيد. القرآن لم يذكر كلمة "توحيد" قط، بل طالبنا بـ (الإيمان) و (الإخلاص) و (أن لا إله إلا الله). لكن، لأن الدين الأرضي يعشق التعقيد، استبدلوا بساطة "لا إله إلا الله" بفلسفة "التوحيد"، واستبدلوا العمل بالطقوس.

ومن رحم هذه العقلية المشوهة، خرج علينا كتاب "صحيح الجامع" بحديث يشبه وصفات المشعوذين: «إذا أخذت مضجعك من اللّيل فاقرأ (قل يا أيّها الكافرون) ثم نَم على خاتمتها فإنّها براءةٌ من الشّرك».

يا سلام! بهذه البساطة؟

يعني، يمكنني طوال النهار أن أعبد الدرهم، وأقدس المسؤول، وأركع لصنم العادات، وأشرك بالله ألف "شريك" في قراراتي، ثم في المساء، وأنا أتمدد على سريري الوثير، أتمتم بكلمات سورة "الكافرون" في دقيقتين، فأحصل فوراً على "براءة من الشرك"؟ هل نحن أمام دين سماوي أم أمام "ماكينة غسيل ذنوب" تعمل بالعملة اللفظية؟

إن هذا الاستخفاف بالعقل لا يمكن أن يصدر عن نبي قال عنه ربه: "وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ". المشكلة في أولئك الذين أحاطوا به، هؤلاء "الصحابة" الذين قدسهم التراث وجعلهم فوق النقد، هم من صوروا لنا النبي وكأنه "صيدلي" يوزع الحبوب المهدئة: حبة للشرك، وحبة للفقر. هؤلاء الرواة -سامحهم الله أو لا سامحهم- بحثوا عن دين "سريع التحضير" (Fast Food) لا يكلفهم عناء الاستقامة، فاخترعوا لنا هذه المرويات.

لنضع هذا الهراء الروائي تحت مجهر القرآن لنرى الفضيحة.

القرآن يقول بوضوح مرعب: "وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ" (يوسف: 106). الله يؤكد هنا أن الشرك "فيروس" خفي يتسلل لعمل المؤمنين، وأنه لا يزول إلا بتطهير القلب والعمل. بينما "أبو هريرة" ورفاقه يريدون إقناعنا أن قراءة سورة قصيرة قبل الشخير كفيلة بنسف هذا الفيروس!

القرآن يقول: "أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ". الإيمان اختبار ومحك صعب ومواقف. لكن في "دين الروايات"، الإيمان والنجاة من الشرك مجرد "كلمات متقاطعة" تحلها قبل النوم.

سورة "الكافرون" التي اتخذوها "تعويذة"، هي في الحقيقة دستور (مفاصلة). هي صرخة "لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ"؛ أي رفض تام لمنهج الباطل في السوق والحكم والحياة. أما تحويلها إلى "أغنية ما قبل النوم" للحصول على صك براءة، فهذا هو عين الاستهزاء بآيات الله.

لقد آن الأوان لنسحب القدسية عن هذا "الجيل الذهبي" المزعوم الذي ملأ كتبنا بالخرافات والمصطلحات الوثنية كـ "التوحيد". هؤلاء الذين نقلوا مثل هذه الأحاديث لم يخدموا الإسلام، بل خدموا الكسل، وصنعوا أجيالاً تعتقد أن الدين "تمتمة شفاه". البراءة من الشرك لا تأتي وأنت نائم، بل تأتي وأنت "قائم" بالقسط، مخلص الدين لله، رافض لكل الآلهة البشرية التي صنعها الكهنوت.