من قتل د. فرج فودة ؟
ب3 : إمتداد المعركة خارج الأزهر. كتاب الأزهر عدو الإسلام الأكبر.
مقال في جريدة الأحرار بتاريخ : 22/6/1992
قال الراوي
من قتل د. فرج فودة ؟
* لم يكن قاتل د. فرج فودة مجرد بائع سمك .. لقد قتلوا رفعت المحجوب وقبضوا على بعضهم ولكن أفلت الجاني الحقيقي ، وقتلوا السادات وأعدموا بعضهم وأدين بعض الجناة ولكن ظل الجاني الحقيقي مطلق السراح.. وسيقتلون الكثيرين وسيفلت أيضا الجاني الحقيقي..!!
* من هو ذلك الجاني الحقيقي ؟ ومن الذين يقفون وراءه ويبعدون عنه الشبهات ويهددون به حاضر مصر ومستقبلها ؟ إن الجاني باختصار هو تلك الأحاديث الكاذبة التي أنتجت حد الردة المزعوم والتي على أساسها يتم اضطهاد الأقباط وتستحل دماؤهم وأموالهم وتعتبرهم مواطنين من الدرجة الثانية . وذلك المنهج الدموي القائم على التعصب والذي يناقض صحيح الإسلام وآيات القرآن لا يزال موجودا في كتب التراث التي تحظى بالتقديس ويدافع عنها أشياخ الأزهر ويهددون من يناقشها بالويل والثبور وعظائم الأمور ، كما حدث مع كاتب هذه السطور..
* لقد طالبت في أول كتبي " السيد البدوي" بالتصدي لظاهرة التطرف الديني وأوضحت أنها تقوم على أسس فكرية في كتب التراث وأن حلها لا يمكن بالطرق الأمنية بل بفتح الحوار وتنقية التراث ومناقشة تلك الأحاديث التي على أساسها ينمو التطرف ويأخذ لنفسه مشروعية في القتل واستحلال الأموال والأعراض . ويعتقد الجاني أنه يقوم بالجهاد وإنه يحسن صنعا ، وتنبأت باستفحال التطرف إن لم يعالج بهذه الطريقة ، ومع الأسف فقد تحقق ما تنبأت به عام 1982، وذلك ما نشهده في واقعنا البائس الذي استعصي على الحلول الأمنية ومقالات " حسن النية " التي تحلق حول العناوين وتتحاشى النفاذ للجذور ، ولقد كوفئت على كتاب " السيد البدوي " وقتها باضطهاد المسئولين في جامعة الأزهر التي كنت أقوم بالتدريس فيها ، لأنهم ــ وقد قعدوا عن الاجتهاد وعجزوا عنه ــ فقد داروا عجزهم باضطهادي حين تصديت لأداء دوري الذي يمليه قانون الأزهر نفسه والذي ينص على أن دور عضو هيئة التدريس فيه هو تجلية حقائق الإسلام ؟! ولم يستريحوا إلا بعد أن أصدروا قرارهم بفصلي من الجامعة حتى أكون عبرة لكل من يتصدى للاجتهاد ومناقشة الأحاديث الضالة ، وواصلت الدعوة في المساجد فصادروا كتبي وضغطوا على الحكومة حتى وضعتني في السجن بتهمة " إنكار السنة "، وبعدها نشرت لي الأخبار أول مقال في 21/4/1989. (بعنوان القرآن هو الحل : دعوة إلى الاحتكام إلى كتاب الله في مواجهة السلاسل والجنازير) وأوضحت فيه أن أسس التطرف تقوم على أحاديث تسئ إلى خاتم النبيين عليه السلام ، وأن المشايخ هم الذين يدافعون عن تلك الأحاديث ، ودعوت لأجراء حوار حول ذلك وفوجئت بالأستاذ جمال بدوي يهاجمني بضراوة في الوفد بتاريخ 23 ، 24 ، 25 / 4 / 1989 . وواصلت في تبرئة الإسلام من أعمال المسلمين وتفضلت " الأحرار " مشكورة بنشر مقالاتي ، وفي الملتقي الفكري الذي عقدته منظمة حقوق الإنسان في بداية الشهر الماضي قدمت بحثا مطولا بعنوان " حرية الرأي بين الإسلام والمسلمين " أوضحت فيه من خلال أكثر من مائتي آية قرآنية أن حرية الرأي والعقيدة في الإسلام مطلقة بلا قيود ولا حدود طالما لا يرفع الإنسان سلاحا وأن الجهاد في الإسلام هو لتقرير حرية العقيدة للمسلم وغير المسلم وأوضحت الظروف التاريخية التي نبت فيها التعصب وحد الردة في العصرين الأموي والعباسي ، وكيف صيغت أحاديث مزورة تخالف الإسلام الحقيقي الذي نزل قرآنا كان يطبقه النبي عليه السلام في حكمه للمسلمين في المدينة ، والطريف أن الأستاذ جمال بدوي في تعقيبه علي بحثي في ذلك الملتقي هاجمه بعنف ، ثم عرض الموضوع في الوفد بصورة غير دقيقة بتاريخ 4 مايو 1992 ، وفي هذا الملتقي شارك فقيد مصر الدكتور فرج فودة ببحث رائع عن الأقليات في مصر ، وكان كعادته شجاعا في إعلان ما يعتقده حقا وهو يعلم أن الإرهاب يتربص به وأن حياته ستنتهي – كما قال لي – إن عاجلا أو آجلا برصاصة ، فضرب لنا مثلا لما ينبغي أن يكون عليه صاحب الرأي الذي يضحي بحياته ثمنا لمعتقداته وآرائه .
* ويبق لنا الدرس المؤلم الذي آن لنا أن نفهمه .. إن قاتل فرج فودة ليس مجرد شاب مخدوع ، ولكن القاتل الحقيقي هو ذلك الفكر الزائف الذي اكتسب قدسية لمجرد أن القرون مرت عليه دون أن يجد من يناقشه ويعلن زيفه ، وإذا كنت قد أخذت على عاتقي أن أهاجم ذلك الفكر حرصا على الإسلام وابتغاء مرضاة الله تعالى فإن الأمر لم يعد الآن قضيتي الشخصية وحدي ، وإنما أصبح قضية عامة ينبغي أن يتصدى لها الجميع ، فقد بات واضحا أن حد الردة يهدد الجميع بلا استثناء، بل يهدد بعض المشايخ الذين يدافعون عن ذلك الفكر المريض ذاته ، ولقد كتب بعضهم في يوم السبت السابق لمقتل د. فرج فودة مقالا في الأهرام يتحدث عن سماحة الإسلام ، وقد فرح به الكثيرون فقلت لهم : إنه إذا كان مخلصا في العلاج والتوجيه فقد كان ينبغي عليه أن ينفي الأحاديث الضالة التي يقوم على أساسها التطرف ، إذ لا خلاف على سماحة الإسلام وإنما الخلاف هو في تلك الأحاديث التي تبيح القتل بتهمة الردة وتبيح اضطهاد غير المسلم ، ولكن الشيخ لن يفعل ، فقد سبق له أن أفتى بفصلي من الجامعة حين تصديت للأحاديث التي تخالف القرآن.
* وطالما ظل الشيوخ يدافعون عن تلك الأحاديث الضالة ويدرءون عنها محاولات النقد فسيظل حد الردة مسلطا على رؤوس الجميع .)
وأقول :
1 ـ إنتهى المقال المنشور في جريدة الأحرار في 22/6/1992 . وكنت أنشر فيها بانتظام ، وكان الفضل للصديق الراحل د فرج فودة . ليس في المقال جديد في هذا الوقت ، ولكن أيضا لم يستجد جديد في مصر سوى تجذّر الاستبداد والفساد ، وتضخُّم دور الأزهر وعسكرته . إن مصر اليوم على وشك أن تقفز في الظلام ..اللهم رحمتك بأهلها المستضعفين المقهورين .
2 ـ لا يمكن تحقيق القسط السياسى ( الديمقراطية ) والقسط الاجتماعى ( العدالة الاجتماعية ) بالخنوع والرضى بالذّل حرصا على حياة ذليلة ، الموت خير منها . لا مفرّ من الموت ، ولا مهرب من الحتميات المقدرة سلفا : ( الميلاد والمصائب والرزق والموت ) . هناك حدُّ أقصى لتحمل التعذيب بعدها تكون الغيبوبة وعدم الإحساس بالألم . ولكن في الجحيم لا يوجد حد أقصى ، فالعذاب خالد وبلا نهائي ولا سبيل لدفعه . نتذكر قوله جل وعلا : ( لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَن ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ ( 39) بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلا هُمْ يُنظَرُونَ ( 40) الأنبياء ). ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ( 36) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ ( 37) فاطر )
3 ـ نرجو تدبر قول ربنا جل وعلا في سورة الحديد :
( اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ ( 20) سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( 21) مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ( 22) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ( 23) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ( 24 ) لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ( 25 )).
ودائما : صدق الله العظيم .!
شاهد قناة ( أهل القرآن / أحمد صبحى منصور )