إذا ما أطفأت تركيا الشمس

كمال غبريال في الخميس ٢٨ - أبريل - ٢٠١٦ ١٢:٠٠ صباحاً

يوماً بعد يوم تدلل التجارب الإنسانية على استحالة رفرفة طيور الحرية وديمومة أنوار الحداثة، ما لم تقض نهائياً على ‏بؤر الظلام وأصنامه‎.‎‏ تتبدد مع الأيام أيضاً أوهام التوصل لمنطقة وسطى، ما بين الإنسانية والدوجماطيقية.‏
‏"أول الغيث قطر" كما يقولون، فكلمات رئيس البرلمان التركي عن دستور ديني، والتي سارع رجال الحزب الحاكم في ‏التبرؤ منها، ليست إلا بالونة اختبار، وفقاعة تظهر على السطح، مما يموج به ما تحته من نوايا وبوادر. ما نراه على ‏امتداد النظر هو أن العلمانية تتهاوى في تركيا، والشعب التركي يتجه ببطء وثبات إلى الارتداد للدولة الدينية والخلافة ‏الإسلامية. . هي فيما نرى مسألة وقت لا أكثر. ما يحدث في منطقة الشرق الأوسط ليس إلا انتصاراً لإرادة الشعوب، ‏وهذا هو توظيف بعض الشعوب لآليات الديموقراطية لإغتيال الديموقراطية والحرية، بأن ترتد بها إلى أيديولوجيات ‏ونظم شمولية عتيقة وظلامية‎.‎
النموذج "الأتاتوركي" ظل دوماً في مخيلتي المضاد لما أعتقد فيه، بأن الشعوب في جميع الأحوال وفي غير الحالات ‏المؤقتة الاستثنائية، هي التي تقرر لنفسها بنفسها منهج حياتها، وأنها المسؤولة عن كل ما يحدث لها من تقدم أو ‏تخلف، ومن فقر أو غنى. ولم أكن أجنح أحياناً لفكرة "المستبد العادل" البائدة، إلا كسباً لبعض الوقت، لتأخير السقوط ‏المحتوم للشعب الذي أنتمي إليه، على الأقل حتى يحين أجلي!!. . الجنرال مصطفى كمال الملقب أتاتورك أخذ الشعب ‏التركي إلى العلمانية بالبطش والاستبداد، مستعيناً بلاشك بقطاع معتبر من الأتراك بريء مما ابتلي به عموم الشعب. ‏ولم تصمد العلمانية كل هذه المدة إلا بالتدخل الدائم للعسكريين، الذين ظلوا طوال الوقت حراساً للدستور والعلمانية. الآن ‏وفي ظل الديموقراطية يتغير الدستور على هوى الخليفة أردوغان، ليعود الأتراك تدريجياً إلى حيث كانوا، رعايا في دولة ‏خلافة إسلامية‎.‎‏ وإن كنا لا نظن أن هذا سيحدث وتخرج منه تركيا موحدة بالصورة التي نعرفها بها الآن‎.‎
بالتأكيد ستختلف الآراء والتوقعات حول مصير العلمانية في تركيا، وإن كان كل من الظروف الإقليمية والعالمية ‏المحيطة بتركيا والشعب التركي بقطاعاته العلمانية العريضة، سوف يسمحون لأي من كان بالارتداد بتركيا إلى العصر ‏العثماني أو ما هو أبعد في التاريخ. لكن السؤال المحوري الذي يفرض نفسه هو: بعد تسعة عقود من تطبيق العلمانية ‏في تركيا، هل هي الآن في طور المزيد من التعمق والتغلغل في كل من مؤسسات الدولة وثقافة القواعد الشعبية، أم أن ‏المنحنى العلماني يأخذ منحى الهبوط، ما يجعل من حق بعض "المتشائمين" توقع وصوله إلى خط الصفر أو ما هو ‏دون ذلك؟
هناك إشكالية فشل حتى الآن التنظير والتطبيق الديموقراطي في حلها. وهي التفرقة بين الإجماع الذي يستحق وصفه ‏بالإجماع الديموقراطي، وذلك الذي نضطر لوصفه بالغوغائي. نعم لدينا تعريفات مستقرة لكل من الديموقراطية ‏والغوغائية، لكن المعضلة تكون عند التطبيق: من الذي يحق له التفرقة بين هذه وتلك، وكيف نتمكن وفق آليات ونظام ‏سياسي صارم وعادل ورصين، من السماح بمرور الديموقراطي وتوقيف الغوغائي؟
لو حدث بالفعل ارتداد عن العلمانية في تركيا، فهذا يعني أن أي أمل في حداثة لشعوب العالم العربي هو محض ‏هلاوس وأوهام سخيفة‎.‎

اجمالي القراءات 9645